ابن كثير

362

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أجلك » . وقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالا ، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم . ثم منهم من قال : الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة ومنهم من قال : إنما يوصي إذا ترك مالا جليلا ، ثم اختلفوا في مقداره ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن يزيد المقري ، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : قيل لعلي رضي اللّه عنه : إن رجلا من قريش قد مات وترك ثلاثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص ؟ قال : ليس بشيء إنما قال اللّه إِنْ تَرَكَ خَيْراً وقال أيضا : وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني ، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان ، عن هشام بن عروة عن أبيه : إن عليا دخل على رجل من قومه يعوده ، فقال له : أوصي ؟ فقال له علي : إنما قال اللّه إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ إنما ترك شيئا يسيرا فاتركه لولدك . وقال الحاكم « 1 » بن أبان حدثني عن عكرمة عن ابن عباس إِنْ تَرَكَ خَيْراً قال ابن عباس : من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا ، قال الحاكم « 2 » : قال طاوس : لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا ، وقال قتادة : كان يقال : ألفا فما فوقها . وقوله بِالْمَعْرُوفِ أي بالرفق والإحسان ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشار ، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قوله كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فقال : نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر . والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير ، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال : يا رسول اللّه ، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال : « لا » قال : فبالشطر ؟ قال « لا » قال : فالثلث ؟ قال « الثلث والثلث كثير ، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » . وفي صحيح البخاري « 3 » أن ابن عباس قال : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « الثلث والثلث كثير » وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة : أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل ، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال حنيفة : إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطية ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لا لا لا ، الصدقة خمس وإلا فعشر وإلا فخمس عشرة وإلا فعشرون وإلا فخمس وعشرين وإلا فثلاثون وإلا فخمس وثلاثون فإن كثرت فأربعون » وذكر الحديث بطوله .

--> ( 1 ) كذا . والصواب : الحكم بن أبان - انظر موسوعة رجال الكتب التسعة 1 / 370 . ( 2 ) صحيح البخاري ( جنائز باب 36 ؛ ووصايا باب 2 و 3 ؛ ونفقات باب 1 ؛ وفرائض باب 6 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( جنائز باب 36 ؛ ووصايا باب 2 و 3 ؛ ونفقات باب 1 ؛ وفرائض باب 6 )